
الأدب والذاكرة
خالد الشدادي
٧ دقائق

هناك أشياء نعرفها قبل أن نعرف أسماءها.
رائحة الأرض بعد المطر. صوت يأتي من مجلس بعيد. طريق حفظناه حتى صرنا نعرف انحناءاته في الظلام. كلمة نسمعها فنعرف أهلها، وبيت شعر بقي في الذاكرة، مع أننا لا نتذكر متى سمعناه للمرة الأولى.
لا نسأل عادة لماذا بقيت هذه الأشياء فينا. تبدو صغيرة وعادية، وربما مررنا بها آلاف المرات دون أن نتوقف عندها.
لكنها، مع السنوات، تتجمع في مكان ما داخلنا. بعضها يأتي من طفولتنا، وبعضها ورثناه ممن سبقونا، وبعضها لا نعرف أصلًا متى أصبح جزءًا منا.
ثم نبتعد قليلًا، أو يتغير المكان، أو تمر السنوات، فنكتشف أن تلك التفاصيل لم تكن عابرة كما ظننا.
كانت ترسم في داخلنا مكانًا لا تقيسه المسافات.
مكانًا يعرفنا قبل أن نعرفه.
فنحن لا نحمل أوطاننا بالطريقة نفسها.
أحدنا يتذكر بيتًا قديمًا، وآخر يتذكر وجه أبيه عند باب ذلك البيت. أحدنا يرى الصحراء فيتذكر اتساعها، وآخر يسمع فيها صوتًا عرفه منذ طفولته. وقد يمر اثنان بالمكان نفسه، ثم يأخذ كل واحد منهما وطنًا مختلفًا معه.
ولهذا ربما لا يكون الوطن صورة واحدة.
إنه آلاف الصور التي لا تتطابق، لكنها تعرف بعضها.
صور تتجاور في الذاكرة حتى يصبح ما هو شخصي جزءًا من شيء أكبر: حكاية عائلة، ولهجة مدينة، واسم قرية، وقصيدة يعرفها كثيرون، وأغنية مرت في زمن ما، وعادة لا نعرف من بدأها، وطريقة في الترحيب، وأخرى في الوداع.
ومع السنوات، لا نعود نعرف تمامًا أين تنتهي ذاكرتنا وتبدأ ذاكرة المكان.
نظن أننا نحن من نتذكره.
وربما كان هو أيضًا من يتذكر من خلالنا.
فالإنسان لا يرث المكان وحده.
يرث طرقًا للنظر إليه.
يرث الكلمات التي وصفه بها من سبقوه، والحكايات التي قيلت عنه، والأسماء التي أُعطيت لأشيائه، والمعاني التي التصقت بتفاصيله حتى أصبح بعضها أكبر من معناه المباشر.
ولهذا يستطيع بيت من الشعر أن يحمل أرضًا كاملة.
لا لأنه يصف حدودها، بل لأنه يقول شيئًا يعرفه أهلها قبل أن يشرحه لهم أحد.
وقد يستطيع لحن قديم أن يعيد زمنًا كاملًا في لحظة.
وقد تكفي كلمة واحدة، قيلت بالنبرة التي نعرفها، لتختصر المسافة مهما ابتعدنا.
ربما لهذا يبدو الوطن أحيانًا أقرب إلى الذاكرة منه إلى الجغرافيا.
فالمكان يمكن أن نراه.
أما الوطن فنحتاج أن نشعر به.
وهذا الشعور لا يتكوّن دفعة واحدة. يتراكم ببطء، دون أن ننتبه إليه، حتى يصبح جزءًا منا.
بعض الأوطان نسكنها، وبعضها يسكننا، فنرى العالم من خلالها.
وحين يسكن الوطن فينا، يظهر في أشياء لا تحمل اسمه.
في اللغة والذائقة، وفي ما نراه جميلًا دون أن نعرف تمامًا لماذا. في الأشياء التي توقظ فينا الهيبة، وتلك التي تمنحنا الألفة. وربما حتى في المسافة التي نتركها بين الكلام والصمت.
ولعل الفن أحد أكثر الأماكن التي يظهر فيها ذلك دون استئذان.
فالفنان قد لا يقصد الحديث عن وطنه، ومع ذلك يتسلل الوطن إلى عمله. لا في علم أو معلم أو رمز بالضرورة، بل في عين تعلّمت أن ترى الجمال بطريقة معينة، وفي ذاكرة امتلأت بصور بعينها، وفي كلمة بقيت من قصيدة، وفي إحساس يعرف المكان الذي جاء منه، حتى إن لم يعرف متى بدأ.
ولهذا قد يكون العمل شديد المحلية وشديد الإنسانية في اللحظة نفسها.
فالإنسان حين يقترب بصدق من المكان الذي شكّله، لا ينغلق داخله، بل يكشف شيئًا يستطيع الآخر أن يشعر به، حتى وإن لم يعرف ذلك المكان. قد لا يعرف الصحراء التي نعرفها، ولا الكلمات التي نحفظها، لكنه يعرف الانتظار والحنين والفقد والحب. والفن يعرف كيف يحمل هذه الأشياء حين يجد لها شكلًا صادقًا.
وربما هنا تكمن إحدى أجمل مفارقات الهوية:
أنها تصبح أكثر قدرة على الوصول حين لا تحاول أن تشبه أحدًا آخر.
فالهوية ليست زينة نضعها على الأشياء كي نقول من أين جاءت، وليست مجموعة رموز نكررها حتى نتأكد أنها لم تُنسَ.
إنها أكثر هدوءًا من ذلك.
تظهر في الطريقة قبل الشكل، وفي الصوت قبل الاسم، وفي الإحساس قبل أن يتحول إلى رمز.
ولهذا لا تحتاج الأشياء التي تنتمي حقًا إلى مكانها أن ترفع صوتها لتثبت ذلك.
يكفي أحيانًا أن تنظر إليها طويلًا.
ستعرف.
لكن الوطن ليس ما وصل إلينا فقط.
وهنا تتغير الحكاية.
لأن كل جيل يقف، ولو للحظة قصيرة، بين ما ورثه وما سيتركه.
نستلم أشياء لم نصنعها: لغة، وذاكرة، وحكايات، وأسماء، وشعرًا، وأماكن، وصورًا، وطرقًا في رؤية أنفسنا.
ثم نعيش بينها.
نغيّر بعضها، ونضيف إليها، ونختلف معها أحيانًا، ونعيد فهم بعضها حين نكبر.
ثم، دون أن نشعر، نصبح نحن أيضًا جزءًا مما سيرثه الآخرون.
وهذا ربما يجعل علاقتنا بالوطن أكثر جمالًا وأكثر مسؤولية في الوقت نفسه.
فنحن لسنا آخر من سيحمل هذه الحكاية.
كما أننا لم نكن أول من بدأها.
نحن فصل منها.
والفصل لا يحتاج أن يكرر ما سبقه حتى يكون وفيًا للكتاب.
عليه فقط أن يعرف من أين جاءت الحكاية، ثم يضيف إليها شيئًا يستحق أن يبقى.
ربما قصيدة.
ربما مبنى.
ربما عملًا فنيًا.
ربما فكرة.
وربما إنسانًا يتذكر، بعد سنوات طويلة، شيئًا صغيرًا فعلناه ولم نكن نعرف أنه سيبقى.
فالأوطان، في النهاية، لا تعيش في الأشياء الكبرى وحدها.
تعيش أيضًا في التفاصيل التي لا تدخل الكتب.
في الأصوات التي تختفي.
في البيوت التي تتغير.
في الكلمات التي تبقى.
في الأشياء التي نحفظها بلا سبب واضح.
وفي ذلك الشعور الغريب الذي يجعل مكانًا بين كل أماكن الأرض قادرًا على أن يقول لنا، دون أن ينطق:
أنت تعرفني.
وربما لهذا، حين يأتي يوم نحتفي فيه بالوطن، لا تكون المسألة أن نتذكره ليوم واحد.
فنحن لم ننسه أصلًا.
إنه حاضر في اللغة التي نفكر بها، وفي الصور التي نحملها، وفي الشعر الذي بقي معنا، وفي الأشياء التي نحبها، وفي الطريقة التي ننظر بها إلى ما كان وما سيكون.
ويبقى السؤال الأجمل ليس:
ماذا ترك لنا الوطن؟
فذلك حولنا أكثر من أن يُحصى.
بل:
ماذا سيبقى منّا فيه؟