
الحالة الإنسانية
خالد الشدادي
وقت القراءة 7 دقئق

لا يحتاج العمل النحتي إلى جمع رموز الثقافة أو عرض أكثر ملامحها شهرة كي يظل متصلًا بها. قد تظهر الثقافة في زخرفة موروثة، أو أثر معماري، أو هيئة مألوفة، لكنها قد تسكن أيضًا في وقفة جسد، أو كرامة رأس مرفوع، أو صمت تحتفظ به الكتلة، أو في العلاقة الدقيقة بين الإنسان والمكان.
لهذا يبدو وصف النحت بأنه صدى للثقافة أدق من اعتباره صوتًا يتحدث باسمها.
لا ينشأ الصدى من العدم، ولا يعيد الصوت الأصلي كما سُمع أول مرة. يمر عبر المسافة والفضاء والسطح، ثم يعود متحوّلًا؛ محتفظًا بمصدره، ومتخذًا هيئة أخرى. وعلى نحو مشابه، تمر الثقافة عبر ذاكرة الفنان وتجربته وحساسيته قبل أن تظهر في العمل، من غير أن تصبح نسخة مباشرة مما سبقها.
لا تمثل المنحوتة الثقافة بكاملها، ولا تدّعي ذلك، لكنها قد تحمل شيئًا من أثرها وتمنح ذلك الأثر جسدًا آخر.
من الصورة إلى الأثر
حين يُناقش حضور الثقافة في الفن، يتجه الانتباه غالبًا إلى العناصر السهلة التعرّف: النقوش الموروثة، والعمارة التقليدية، والخيل، والملابس، والرموز المرتبطة بالمكان.
هذه العناصر جزء أصيل من الذاكرة البصرية، لكنها لا تكفي وحدها لصنع عمل متجذر حقًا في الثقافة. قد تمتلئ منحوتة بالرموز وتظل بعيدة عن الروح التي جاءت منها، وقد تخلو أخرى من العلامات الواضحة، ومع ذلك تترك لدى المشاهد إحساسًا بشيء مألوف يعجز عن تسميته.
ذلك لأن الثقافة لا تقيم في الصورة وحدها، بل في الطريقة التي تُرى بها الصورة.
قد تسكن في معنى الحماية، أو أثر الغياب، أو حضور الكرامة، أو العلاقة بين الفرد والجماعة. وقد تظهر في المسافة الدقيقة بين الصمت وما يتوق الإنسان إلى قوله.
هنا لا تعود الثقافة موضوعًا يضاف إلى العمل، بل تصبح أرضًا داخلية تصوغ اختياراته: حركة الخط، ووزن الكتلة، واتجاه النظرة، وحدود الفراغ.
ليس السؤال دائمًا: أي رمز ينبغي أن يظهر؟
ربما يكون السؤال الأكثر صدقًا:
ما الأثر الذي بقي في داخلي، وكيف يمكن أن يجد شكله؟
بين الواقع والانطباع
يبدأ عملي غالبًا من شكل يمكن التعرّف عليه: وجه، أو جسد، أو حصان، أو إيماءة إنسانية، أو أثر معماري. لكن التعرّف ليس غاية العمل؛ بل هو نقطة الدخول فقط.
لا أتعامل مع الواقعية بوصفها استنساخًا دقيقًا لما تراه العين، ولا مع الانطباع بوصفه خروجًا عن الواقع. أُبقي الشكل قريبًا بما يكفي لإدراكه، ومفتوحًا بما يكفي ليحمل أكثر من قراءة.
قد تتغير النِّسب، وتُختزل الملامح، وتتقدم كتلة بينما تنحسر أخرى، وقد يصبح الفراغ نفسه جزءًا محوريًا من التعبير. لا يحدث ذلك رفضًا للواقع، بل بحثًا عما يتجاوز سطحه.
يمنح الواقع المنحوتة جسدها، ويمنحها الانطباع حالتها الداخلية.
قد يظل الوجه واقعيًا في بنائه من غير أن يمثل شخصًا بعينه، وقد يتشكل الجسد بوضوح، لكن ما يهم ليس اكتماله التشريحي وحده، بل ما تحمله وضعته من مقاومة أو انكسار أو انتظار أو صمود.
في هذه المساحة بين التعرّف والتأويل، يقترب العمل من الحالة الإنسانية من غير أن يحصرها في قصة واحدة.
حين يعبر الأدب إلى الكتلة
يحتل الشعر مكانة في الثقافة العربية تتجاوز اللغة؛ فهو ذاكرة وصورة وموقف وإيقاع. وعبر الزمن حمل ما لم تستطع الأشياء وحدها حفظه.
لكن العلاقة بين النحت والأدب ليست علاقة شرح أو ترجمة. لا تحتاج القصيدة إلى منحوتة تكرر صورها، ولا ينبغي للمنحوتة أن تتحول إلى رسم توضيحي لنص.
ما يعبر من الأدب إلى العمل ليس كلماته بالضرورة، بل الحالة التي تتركها الكلمات خلفها.
قد يخلّف بيت من الشعر إحساسًا بالفخر، فيظهر ذلك في ارتفاع الرأس أو تماسك الكتلة. وقد يتجسد الفقد في فراغ أو انقطاع أو جزء غائب. وقد يتحول إيقاع القصيدة إلى حركة تتكرر عبر الخطوط والأسطح، حتى لو لم يعرف المشاهد من أين بدأ ذلك الإيقاع.
عندها لا تتحول القصيدة إلى شكل، بل تصبح طاقة داخل الشكل.
وقد تبدأ العلاقة من الاتجاه المعاكس؛ فتأتي المنحوتة أولًا، ثم تستدعي نصًا أو بيتًا من الشعر يكشف معنى لم يكن ظاهرًا كاملًا في البداية.
لهذا لا يسير الأدب والفن البصري في مسار واحد. قد يلهم الأدب المنحوتة، وقد تستدعي المنحوتة الأدب. وبينهما مساحة مشتركة من الصورة والإيقاع والشعور، من غير أن يخضع أحدهما للآخر.
قد تبدأ المنحوتة ببيت من الشعر، وقد ينتهي العمل بالوصول إلى بيت لم يكن حاضرًا عند البداية.
الخشب لا يستقبل الفكرة بصمت
حتى بعد أن تبدأ الفكرة بالتشكل، فإنها لا تدخل العمل كما ظهرت أول مرة في الذهن؛ فالخشب ليس حاملًا محايدًا.
لكل قطعة عروقها وكثافتها وصلابتها وشقوقها وفراغاتها، ولكل منها تاريخ طبيعي سبق وصول يد الفنان إليها. قد تقبل جانبًا من التصور الأول، وتقاوم جانبًا آخر، وتدفع العمل نحو اتجاه لم يكن متوقعًا.
لذلك لا أرى الخشب سطحًا تُفرض عليه صورة، بل مادة تدخل الحوار منذ البداية.
قد يصبح الشق الطبيعي جزءًا من المعنى بدل أن يكون عيبًا ينبغي إخفاؤه، وقد يفرض اتجاه العروق حركة مختلفة عن الرسم الأول، وقد يكشف الحفر داخل الكتلة فراغًا يغيّر العلاقة بين الأجزاء المحيطة كلها.
لا يعني العمل باليد سيطرة مطلقة على المادة؛ بل هو توازن بين القرار والانتباه، وبين ما يريد الفنان كشفه، وما يسمح الخشب بظهوره، وما ينبغي أن يبقى دون مساس.
هنا تتغير الفكرة أثناء عبورها إلى الخشب. لا تفقد أصلها، لكنها لا تبقى مطابقة له.
هذا التحول هو ما يجعلها صدى لا نسخة.
صدى يصل إلى المشاهد
حين تستمد المنحوتة شيئًا من الثقافة أو الأدب، لا يتوقف نجاحها على قدرة المشاهد على تحديد مصدر الإلهام الأصلي.
قد لا يعرف المشاهد القصيدة أو الرمز أو الحكاية التي سبقت العمل، ومع ذلك يشعر بالقوة أو الحماية أو العزلة أو الفقد أو الانتماء.
كلما كان العمل أكثر صدقًا مع جذوره، أصبح أقدر على تجاوزها والوصول إلى غيرها.
لا تنتهي المنحوتة باكتمال النحت، ولا يستنفد معناها ما يقوله الفنان عنها. إنها تدخل بعد ذلك ذاكرة المشاهد، وقد تعيد شيئًا مختلفًا تمامًا عما حرّك العمل في بدايته.
قد يرى أحدهم الكرامة، ويرى آخر المقاومة. وقد يقرأها شخص من خلال قصيدة يعرفها، بينما يربطها غيره بذاكرة شخصية لا صلة مباشرة لها بمصدرها الأول.
لا يضعف هذا التعدد العمل، بل يحميه من التحول إلى رسالة مغلقة.
بهذا المعنى يمكن للنحت أن يصبح صدى من أصداء عديدة داخل الثقافة؛ لا يمثلها، ولا يختزلها، ولا يتحدث باسمها، بل يخرج من داخلها حاملًا شيئًا من ذاكرتها وأدبها وحياتها الشعورية، ثم يعيدها في هيئة جديدة عبر الكتلة والفراغ والخشب.
يبدأ الصوت في الثقافة، لكن الصدى لا يكتمل حتى يجد من يسمعه.